تاملات للدكتور راتب النابلسي
صفحة 1 من اصل 1 • شاطر
تاملات للدكتور راتب النابلسي
تاملات للدكتور راتب النابلسي
يقول توقفت كثيرًا في سورة يس، فوجدت فيها أمرًا ربما لا نلتفت إليه كثيرًا ...
ترتبط سورة يس بالموت ..
غالباً ما تجد أهل المتوفى يعكفون على قراءة سورة يس يوم الوفاة لعل الله ينفع بها الميت ، والأوفياء منهم يواظبون عليها عدة أيام بعد وفاة عزيز عليهم ..
لكني ألتفت إلى أمر مهم في سورة يس ....
قال الله تعالى عن القرآن الكريم فيها ( لينذر من كان حيّاً ) ولم يقل لينفع من كان ميتًا ..
لست أناقش ههنا موضوع انتفاع الميت بقراءة الحي للقرآن
ولكني ألتفت إلى أننا أغفلنا الحكمة الأعظم من القرآن ( لينذر من كان حيًا )
ثم جعلت أتسائل !!
كم من الأحياء الذين قرأوا سورة يس انتفع بها؟
كم منهم تعلم منها ولو معنى واحداً؟
كم منهم أثرت في حياته وغيرت منها شيئاً؟
هؤلاء الألوف الذين يقرأونها كل يوم .. ما صنعوا بها؟
ثم سألتني ... ماذا صنعت أنت بها؟
ووقفت قليلاً أتدبر السورة، حقيقة لفت انتباهي فيها آيات كثيرة ، لكنّ أبرز ما لفت انتباهي هي قصة القرية التي جاءها المرسلون
لعل أكثرنا يعرفها
لكن الذي استوقفني فيها شئ أدهشني ..
في القصة أن رجلاً من القرية اقتنع بما يدعوا إليه المرسلون، وقام ملهوفاً على قومه جاءهم يسعى (من أقصى المدينة)
جاء يحاور قومه ويدعوهم إلي ما اعتقد أنه سبيل الفوز والسعادة
جاء يحمل الخير لهم
جاء فزعاً إلى نضج أفكارهم
جاء بخطاب يمس العاطفة فيستميلها
ويخاطب العقل فيقنعه
وكانت مكافأته من قومه أن قتلوه ، ليست قتلة عادية ، بل بطريقة حقيرة رديئة لا يزاولها إلا حيوان بريٌّ لم يعرف شكلاً إلى التهذيب والتربية ...
تروي التفاسير أن قومه قاموا إليه فركلوه ورفسوه حتى خرج قَصُّهُ ( عظمة القص التي تصل ما بين الأضلاع ) من ظهره
ثم يدهشك ما سيحدث بعد ذلك ....
يخبرنا القرآن أن هذا الرجل قيل له ( ادخل الجنة ) ... لو كنتُ مكانه لفكرت على الفور: "ياربي: هؤلاء القتلة انتقم لي منهم .. ربِّ عذبهم .. رب سلط عليهم دواباً ترفسهم حتى يموتوا" .....
لكن الذي أدهشني هو أمنية الرجل: (قال ياليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين)
..
حقيقة توقفت كثيراً أمام هذه النفسية العظيمة
نفس رحبة واسعة جداً
حتى أنها لم تحمل ضغينة على القتلة
بل على العكس كانت أول أمنية له فور أن بشر بالجنة لو أن هذا المجتمع القاسي الذي قابل الجميل بالقتل، لو أنهم يعلمون المنقلب، لو أنهم يطلعون على الخير الذي أعده الله للصالحين (ياليت قومي يعلمون)
..
أدهشني حرصه على الخير لقومه مع ما واجه منهم
...
أدهشني تمسكه بالرغبة في إصلاحهم مع ما تبين من عنادهم
...
أدهشتني همته في دعوتهم للخير مع توقف مطالبته بالعمل
...
أدهشني حبه الخير للآخرين حتى من آذوه ...
أدهشني ان تكون أول أمنية له (لو أنهم يعلمون)
وبعد أيامٍ ، وقفت من سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على موقف مشابه ، رحلة الطائف ، ويأتيه ملك الجبال "لو شئت أطبقت عليهم الأخشبين" ... فيجيب: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا)
وصلت إلى خلاصة
المؤمنون الكبار وحدهم هم الذين يتحملون سفاهة الناس من أجل هدف أسمى ... هو إصلاحهم
المؤمنون الكبار وحدهم هم الذين لا يعادون أحدًا انتقامًا لأشخاصهم ..
المؤمنون الكبار وحدهم هم الذين تكون أمنياتهم البناء ..
المؤمنون الكبار وحدهم هم من يتقبلون دفع ضريبة حمل الإصلاح للناس ..
المؤمنون الكبار وحدهم هم الذين لا يعرف عامة المجتمع قدرهم
اللهم اجعلنا منهم واجمعنا بهم يا أرحم الراحمين..
و دمتم طيبين
امال عبد السميع- نائب الإدارة
- احترام القوانين :
عدد المساهمات : 1148
تاريخ الميلاد : 07/03/1980
العمر : 44
مواضيع مماثلة
» من روائع تأملات الدكتور راتب النابلسي
» اكتشف المزيد عن تفسير البكاء في المنام لابن النابلسي
» عبارات جميله للدكتور عايض القرني ـَ
» تحميل كتاب "سحر الكلمة" للدكتور إبراهيم الفقي
» تحميل كتاب "الحياة بلا توتر" للدكتور إبراهيم الفقي
» اكتشف المزيد عن تفسير البكاء في المنام لابن النابلسي
» عبارات جميله للدكتور عايض القرني ـَ
» تحميل كتاب "سحر الكلمة" للدكتور إبراهيم الفقي
» تحميل كتاب "الحياة بلا توتر" للدكتور إبراهيم الفقي
صفحة 1 من اصل 1
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى